مشروع الميترو جاهز ومشروع التراموي كذلك، والطريق السيار شرق غرب لا تفصلنا عنه سوى بعض الكيلومترات، ومشروع تهيئة وادي الحراش يوشك على الانتهاء، ومشاريع عملاقة أخرى صرفت عليها الدولة ملايير الدولارات لكنها في واقع الأمر لم ولن ترى النور قريبا، وستنتظر أجيالا أخرى حالمة بيوم يرى فيه الثعبان الحديدي أو الفولاذي يمر عبر أزقة ضيقة وشوارع المدن الكبرى. من حق المواطن أن يحلم ومن حق الدولة أن تجسد له أحلامه في حدود وظيفتها التي طورها علماء السياسة. فوظيفة الدولة لا تقتصر على الجانب القصري أي على مظاهر الدفاع والأمن والقضاء، بل العمل على سيادة الطمأنينة والاستقرار وتوفير الحريات والحقوق والمساواة وتكافؤ الفرص في حدود ما يكفله القانون. صحيح أن مقولة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان أشارت إلى أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، لكن هذا لا يمنع من إيفاء الحقوق للناس والسماع لهم، لأن الخيط هين وبسيط بين التعسف والظلم والتبذير والعدل والإنصاف وحسن التدبير. منذ أكثـر من عشرية ينتظر الجزائريون أن تطل عليهم عشرات المشاريع المؤجلة من سنة لأخرى، لكنهم بالمقابل يسمعون إسرافا في الكلام عن الإنجازات التاريخية التي يخيل للبعض أنها بمثابة المعجزات السبع العالمية التي شيدتها الشعوب الكبرى، مشروع القرن والمسجد الأعظم وأكبر مشروع في إفريقيا والعالم العربي، والذي يتسارع المتثاقفون في تزيينه للأعين والمسامع على شاكلة مفاهيم المناطقة في المصادرة على المطلوب. وعلى غرار ما طوره أنطونيو غرامشي حول المثقف العضوي، فإن الواقع اليوم يفرض على الجميع تبني تصور موحد ووحيد ومفاهيم جاهزة تبرر الواقع وتفرض منطقه حتى ولو تبين خطأه، وما على المثقف إلا تبريره وإثبات صحته.

لغة الكم غالبا ما تحمل دلالات مغايرة عن الواقع، فالأرقام والإحصائيات يمكن أن تكشف عن أمور وتخفي أخرى، ويمكن توظيفها وفقا للتوجهات التي يراد لها. صحيح أن جزائر سنوات 2000 قد حباها الله بمواردها المستخرجة من باطن الأرض، واستفادت من أسعار نفط جنت منها خلال عشر سنوات أي ما بين 1999 و2009 حوالي 500 مليار دولار بمعدل 50 مليار دولار سنويا. ولكن في محصلة الأمر لم نخرج بعد هذه العشرية من منطق توزيع الثـروة المتأتية من الريع النفطي ومن التفاوت الكبير في توزيع هذا الريع، بحيث أضحت نسبة 60 بالمائة من الدخل والثـروة في أيدي حوالي 24 بالمائة من المجتمع، واتسعت الهوة بين أفقر الفئات وأغناها، وتكاد الطبقة المتوسطة تختفي من الوجود. كما أن الجزائر تبقى في ذيل الأمم سواء من قبل منظمة الأمم المتحدة للتنمية أو البنك العالمي، ناهيك عن تكريس التبعية المطلقة للمحروقات بعد أكثـر من عشرية. والنتيجة أننا سننتظر بعد 20 سنة أن يقال لنا إننا تحولنا إلى دولة غير مصدرة للنفط وأننا أقل شأنا من أندونيسيا والمكسيك التي وظفت قواها قبل أن تصبح دولا غير مصدرة للذهب الأسود.